تكتب كيت لوسي في هذا التحليل أن دول الخليج اعتادت إظهار صورة من الهدوء والتماسك وقابلية التنبؤ، حيث تُدار الخلافات خلف الأبواب المغلقة وتُسوّى عبر القمم والبيانات البروتوكولية. لكن التصعيد الأخير بين السعودية والإمارات على خلفية الملف اليمني يشير إلى أن هذه القواعد لم تعد صلبة كما كانت، وأن نقاط الاحتكاك القديمة خرجت إلى العلن بطريقة غير مسبوقة.


يرصد النص الذي نشره مونكول تحوّل الخلاف السعودي الإماراتي من إدارة صامتة إلى مواجهة مفتوحة تستخدم فيها الأدوات الإعلامية كوسيلة ضغط سياسية.


شرارة إعلامية تكشف ما كان مستترًا


بدأ التصعيد بسلسلة تقارير بثها الإعلام الرسمي السعودي بعد منح صحفيين حق الوصول إلى مرافق احتجاز أُقيمت في قواعد عسكرية إماراتية سابقة في اليمن. سهّلت الحكومة اليمنية، المدعومة من تحالف تقوده السعودية، هذا الوصول، ما أعاد إلى الواجهة اتهامات قديمة للإمارات بإدارة شبكة سجون سرية خلال الحرب اليمنية المستمرة منذ عقد. نفت أبوظبي هذه الاتهامات بشكل قاطع، لكن الدلالة السياسية لم تكمن في محتوى التقارير وحده، بل في قرار السماح بنشرها من الأساس.


يعكس هذا القرار استعداد الرياض وأبوظبي لاستخدام الإعلام كورقة ضغط متبادلة. يكسر الطابع المنسق للتغطية تقليدًا خليجيًا طويلًا يقوم على احتواء الخلافات بعيدًا عن الأنظار، ويعمّق واحدة من أكثر الشروخ حدة في المنطقة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز اليمن.


صراع نفوذ ورؤى متباعدة للمنطقة


لا يدور الخلاف الحقيقي حول مراكز احتجاز بقدر ما يدور حول النفوذ والأولوية ورؤية كل طرف لمستقبل الشرق الأوسط. تخوض السعودية والإمارات مشاريع وطنية طموحة، وتسعى كل منهما إلى رسم ملامح الإيقاع الاقتصادي والسياسي والأمني للمنطقة. ومع تباعد المصالح في ملفات مثل اليمن والسودان والتجارة والنفوذ الإقليمي، تراجعت قابلية التسويات الهادئة.


تحوّل الإعلام إلى ساحة المعركة المفضلة لأنه فعال وقابل للإنكار. يسمح بفرض ضغط محسوب دون الانزلاق إلى ردود اقتصادية أو عسكرية مباشرة. باتت إتاحة الوصول الانتقائي، والتضخيم المدروس، والصمت المتعمد أدوات موازية للدبلوماسية التقليدية. لم تعد الرسائل خفية، بل صارت مباشرة ومكشوفة.


تصدير التنافس وتوسيع دوائره


لم يبقَ التنافس محصورًا داخل الخليج. يعمل الطرفان على تعزيز تحالفاتهما خارج الإقليم، وجذب قوى دولية إلى ما يشبه صراعًا استراتيجيًا أوسع. عززت السعودية علاقاتها الدفاعية والأمنية مع باكستان، الدولة النووية، ومع تركيا، القوة الإقليمية ذات الطموحات المستقلة. في المقابل، دفعت الإمارات باتجاه محور متنامٍ يضم الهند وإسرائيل، مع تركيز على التكنولوجيا وتبادل المعلومات والتعاون الدفاعي.


لا تمثل هذه الشراكات استعراضًا سياسيًا بقدر ما تشكل سياسات تأمين ذاتي. ومع إعادة الولايات المتحدة ضبط دورها في الشرق الأوسط، تسعى دول الخليج إلى قدر أكبر من الاستقلالية والردع والقدرة على المناورة. يلفت الانتباه أن هذه التحالفات تصطف اليوم على طول خطوط الانقسام الخليجي نفسها، ما يدل على أن التنافس بين الرياض وأبوظبي لم يعد محصورًا أو قابلًا للاحتواء.


تظهر المفارقة الأخيرة بوضوح في غزة، حيث يُتوقع أن تشارك السعودية والإمارات في هيئات دولية تُعنى بإدارة ما بعد الحرب وإعادة الإعمار، مقدمتين نفسيهما كراعيتين للاستقرار الإقليمي. في الوقت ذاته، تظل علاقتهما الثنائية هشّة ومتوترة. هذا التناقض يختصر مرحلة جديدة في السياسة الخليجية: مرحلة أكثر انكشافًا، وأكثر تنافسًا، وأقل اعتمادًا على التنسيق الصامت. يبدو أن زمن إدارة الخلافات بهدوء قد ولّى، وأن المشهد الإقليمي يدخل فصلًا أكثر صراحة وصدامية.

 

https://monocle.com/affairs/diplomacy/uae-saudi-arabia-tensions/